سيد محمد طنطاوي

368

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) * إلى قوله * ( ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * وقال ابن عباس : « سألهم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه » . وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين ، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فإذا قدم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من الغزو ، اعتذروا إليه وحلفوا وأحبو أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت ، * ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ) * « 1 » . قال العلماء : ولا منافاة بين الروايتين ، لأن الآية عامة في جميع ما ذكر . وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب ، فقد حكت قولهم * ( إِنَّ اللَّه فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِياءُ ) * وحكت قولهم * ( أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُه النَّارُ ) * ووصفتهم بكتمان الحق ونبذه وراء ظهورهم ، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها وأنذرتهم بسوء مصيرهم ، وساقت للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم مصابهم ، ويجعلهم يسيرون في هذه الحياة بعزم ثابت ، وهمة عالية ، ونفس مطمئنة . ثم ختم - سبحانه - سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته ، وأدلة وحدانيته ، وبشر أصحاب العقول السليمة - الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره - برضوانه وجنته ، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاه فإنه - سبحانه - قد جعل العاقبة للمتقين ، كما أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال - تعالى - :